هل فكرت يومًا كيف يتدبر موظفك حياته بهذا الراتب؟

Mostafa EL Masry
Mostafa EL Masry
International Business Consultant & Entrepreneur

International Business Consultant, Entrepreneur, Author with 35+ years of experience in business strategy, AI, and global expansion.

هل فكرت يومًا كيف يتدبر موظفك حياته؟
هل فكرت يومًا وأنت تقوم بتوزيع رواتب العاملين لديك:
كيف يستطيع هذا الموظف أن يدبر حياته بهذا الراتب؟
قد يكون المبلغ الذى يحصل عليه منك كل شهر لا يكفى حتى ليكون مصروفًا شهريًا لأحد أطفالك فى مرحلة المدرسة.
ربما تقول لنفسك:
"هو قبل بهذا الراتب عندما التحق بالعمل، وأنا ملتزم بما اتفقنا عليه."
ومن الناحية العملية، قد يكون هذا صحيحًا.
لكننى طوال سنوات عملى كنت أنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة تمامًا.
كنت أسأل نفسى دائمًا:
كيف أجعل موظفي سعداء ومستقرين قدر الإمكان، حتى يستطيعوا أن يعطوا العمل كل ما لديهم، ونستطيع أن ننمو معًا؟
ولم تكن الإجابة سهلة.

الموظف ليس مجرد تكلفة فى ميزانية الشركة
من أكثر الأخطاء التى يمكن أن يقع فيها صاحب المشروع أن ينظر إلى الموظفين باعتبارهم مجرد بند من بنود المصروفات.
راتب.
تأمينات.
مكافآت.
إجازات.
ثم يحاول أن يقلل هذه التكلفة قدر الإمكان حتى يزيد أرباح المشروع.
لكننى كنت أرى الأمر بشكل مختلف.
الموظف بالنسبة لى كان جزءًا من الاستثمار فى المشروع.
فأنا لا أدفع له فقط مقابل الساعات التى يقضيها فى العمل، وإنما أبنى معه شيئًا يمكن أن يكبر بمرور الوقت.
وإذا كان المشروع سينجح بفضل جهده، فلماذا لا يشعر هو أيضًا بأنه جزء من هذا النجاح؟
أحيانًا كان الأمر صعبًا حتى علىّ شخصيًا
أتحدث هنا عن تجربة عشتها بالفعل، وليس عن كلام نظرى.
فى بعض الفترات، كان دخل المشروع لا يتبقى منه شىء تقريبًا بعد توزيع الرواتب والالتزامات.
وكان من الممكن أن أقول:
"أنا أيضًا أحتاج إلى أموالى، ولماذا أتحمل كل هذه المسؤولية؟"
لكننى كنت أضع نفسى مكان الموظف.
هذا الشخص لديه أسرة.
لديه أطفال.
لديه إيجار أو التزامات منزلية.
لديه مصروفات تعليم ومواصلات وطعام وعلاج وغيرها من الاحتياجات التى لا تتوقف لمجرد أن المشروع يمر بفترة صعبة.
وأحيانًا كان دخلى الشخصى يتأثر بشكل مباشر حتى أستطيع أن أوفى بالتزامات العاملين معى.
أصعب الأوقات كانت المواسم والأعياد
من أكثر الفترات التى كانت تمثل ضغطًا بالنسبة لى المواسم والأعياد.
ففى هذه الأوقات لا يكون الموظف محتاجًا فقط إلى راتبه المعتاد.
هناك احتياجات إضافية.
هناك أسرة تنتظر.
هناك أطفال يريدون ملابس جديدة.
هناك التزامات واحتياجات مرتبطة بالعيد.
وكنت أحاول جاهدًا ألا يشعر العاملون معى أن ظروف المشروع ستنعكس عليهم، حتى وإن كان ذلك أحيانًا يأتى على حساب جزء من حياتى الشخصية.
لم يكن الأمر سهلًا.
ولكننى كنت أؤمن بشىء مهم:
إذا كنت أطلب من الموظف أن يقف بجانب المشروع فى الأوقات الصعبة، فيجب أن يشعر أيضًا أن المشروع يقف بجانبه عندما يحتاج إليه.

"لكنه وافق على الراتب!"
قد يقول أحد أصحاب المشروعات:
"لكنه قبل بالراتب منذ البداية، وأنا لم أجبره على العمل معى."
وهذا منطق مفهوم.
وبالفعل، يجب أن تكون هناك اتفاقات واضحة، ويجب أن يعرف الموظف حقوقه والتزاماته، ويجب أن يكون الراتب مناسبًا قدر الإمكان لطبيعة العمل والسوق.
لكن السؤال الذى أطرحه هنا ليس:
هل أنت ملزم قانونيًا أو تعاقديًا بأن تدفع له أكثر؟
السؤال هو:
هل هذا هو أقصى ما يمكنك أن تفعله كشريك فى نجاحه؟
هناك فرق كبير بين الالتزام والمسؤولية الإنسانية والإدارية.
قد لا تكون ملزمًا بأن تعطيه أكثر من راتبه.
لكن إذا كان بإمكانك أن توفر له مكافأة عندما تحقق الشركة نتائج جيدة، أو تساعده فى ظرف استثنائى، أو توفر له بيئة عمل محترمة، أو تمنحه فرصة للتعلم والتطور، فلماذا لا تفعل؟

الموظف شريك فى النجاح
أنا لا أقصد بكلمة "شريك" أنه شريك قانونى فى ملكية الشركة.
وإنما أقصد أنه شريك فى صناعة النجاح.
فكر فى الأمر ببساطة.
أنت تضع المال.
وهو يضع وقته وجهده وخبرته.
أنت تتحمل مخاطر الاستثمار.
وهو يتحمل ضغط العمل ومسؤولياته اليومية.
أنت تبحث عن العملاء والفرص.
وهو يتعامل معهم ويمثل شركتك أمامهم.
أنت تضع الرؤية.
وهو يساعدك على تحويلها إلى واقع.
إذن عندما تنجح الشركة، فنجاحها لم يصنعه صاحب رأس المال وحده.
ولهذا كنت دائمًا أريد أن يشعر الموظف أن نجاح الشركة ليس شيئًا يحدث بعيدًا عنه.
بل هو نجاح شارك في صناعته.

لماذا أعطى الموظف جزءًا من ثمرة النجاح؟
لأننى أعتقد أن الإنسان عندما يشعر أن جهده له قيمة، فإنه يتعامل مع العمل بطريقة مختلفة.
هناك فرق بين موظف يقول:
"أنا أعمل لأننى أحصل على راتبى."
وموظف يقول:
"أنا أريد أن ينجح هذا المكان، لأن نجاحه سينعكس علىّ أيضًا."
الثانى لديه دافع مختلف تمامًا.
قد يهتم بالعميل أكثر.
قد يبحث عن حل للمشكلة بدلًا من تركها.
قد يقدم فكرة جديدة.
قد يتحمل ضغطًا إضافيًا عندما يحتاج المشروع إليه.
وقد يحافظ على أموال الشركة وسمعتها وكأنها تخصه.
وهذا النوع من الموظفين لا تستطيع أن تشتريه دائمًا بمجرد زيادة بسيطة في الراتب.
إنه يحتاج إلى الشعور بالتقدير والانتماء والعدالة.

لا أقول إن على صاحب المشروع أن يخسر من أجل موظفيه
وهنا أريد أن أوضح نقطة مهمة جدًا.
أنا لا أدعو صاحب المشروع إلى أن يدفع رواتب لا يستطيع تحملها.
ولا أقول إن عليه أن يهمل أسرته وحياته الشخصية من أجل الموظفين.
ولا أقول إن كل موظف يجب أن يحصل على زيادة لمجرد أنه طلبها.
المشروع يجب أن يظل قادرًا على الاستمرار.
فإذا انهار المشروع، فلن يستفيد صاحب العمل ولا الموظفون.
لذلك يجب أن يكون هناك توازن بين:
قدرة المشروع على الاستمرار، واحتياجات العاملين، والعدالة فى توزيع ثمار النجاح.
لكن عندما يحقق المشروع أرباحًا جيدة، لماذا لا يكون للعاملين نصيب من هذه النتائج؟
قد يكون ذلك من خلال:
• مكافآت مرتبطة بالأداء.
• حوافز عند تحقيق أهداف معينة.
• مشاركة فى الأرباح عندما تسمح ظروف المشروع.
• زيادات عادلة مع تطور المسؤوليات.
• دعم فى بعض المناسبات والظروف.
• تدريب وتطوير حقيقى.
• تقدير معنوى واضح للجهد والإنجاز.
ليس المهم دائمًا حجم المبلغ.
أحيانًا يكون المهم أن يشعر الموظف أن صاحب العمل يراه ويقدر ما يقدمه.

الموظف السعيد ليس رفاهية
بعض أصحاب الأعمال يعتبرون اهتمام الموظف وسعادته نوعًا من الرفاهية.
لكن من واقع تجربتى، أرى أن الأمر مختلف.
الموظف الذى يعيش تحت ضغط دائم، ويشعر أن راتبه لا يكفى احتياجاته، ولا يرى أى تقدير لجهده، من الصعب أن تطلب منه أن يعطيك أفضل ما لديه طوال الوقت.
قد يحضر إلى العمل.
وقد يؤدى المطلوب منه.
لكن هل سيبحث عن تطوير العمل؟
هل سيهتم بمستقبل الشركة؟
هل سيحاول أن يحافظ على العميل؟
هل سيقدم لك فكرة جديدة؟
هنا تظهر أهمية البيئة التى نصنعها داخل المشروع.

اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا
فى المرة القادمة التى تقوم فيها بدفع الرواتب، لا تسأل فقط:
"هل دفعت للموظف ما اتفقنا عليه؟"
اسأل نفسك أيضًا:
"هل يشعر هذا الموظف أن وجوده فى هذا المشروع له قيمة؟"
ثم اسأل:
"إذا حققنا نجاحًا كبيرًا هذا العام، هل سيشعر هو بهذا النجاح؟"
إذا كانت الإجابة دائمًا "لا"، فقد تكون هناك مشكلة تحتاج إلى التفكير فيها.

لا تبنِ مشروعًا ناجحًا على حساب الإنسان
رائد الأعمال يريد أن يحقق الأرباح.
وهذا طبيعى.
ويريد أن ينمو مشروعه.
وهذا هدف أساسى.
لكننى أؤمن أن النجاح الحقيقى لا يقاس فقط بحجم الأرباح، وإنما أيضًا بعدد الأشخاص الذين ساهمت فى تحسين حياتهم من خلال هذا النجاح.
قد يكون من بينهم موظف استطاع أن يوفر تعليمًا أفضل لأطفاله.
أو موظف استطاع أن يبدأ مشروعًا صغيرًا بجانب عمله.
أو موظف أصبح قادرًا على تحمل مسؤوليات أسرته بشكل أفضل.
أو شخص تعلم مهارة جديدة وأصبح أكثر قيمة فى سوق العمل.
عندما يحدث ذلك، أشعر أن نجاح المشروع أصبح له معنى أكبر.

فى النهاية...
ربما لا تستطيع أن تعطى موظفيك كل ما يتمنونه.
وربما لا تستطيع دائمًا أن تزيد رواتبهم بالشكل الذى تريده.
وقد تمر عليك شهور يكون فيها الحفاظ على المشروع نفسه تحديًا.
لكن يمكنك دائمًا أن تجعل موظفيك يشعرون بأنهم جزء من النجاح وليسوا مجرد أرقام فى كشف الرواتب.
أنا شخصيًا مررت بأوقات كان من الممكن أن أحتفظ فيها بجزء أكبر من دخلى، لكننى اخترت أن أحاول ألا ينقص العاملين معى شىء، خصوصًا فى الأوقات التي تكون فيها احتياجاتهم أكبر.
لم يكن ذلك دائمًا قرارًا سهلًا.
لكنه كان بالنسبة لى جزءًا من فلسفتى فى إدارة الأعمال:
إذا أردت من فريقك أن يعطيك كل طاقته، فلا تجعل نجاحك منفصلًا عن نجاحهم.
فالموظف الذى يشعر أن الشركة تقف بجانبه فى وقت الشدة، غالبًا ما يكون أكثر استعدادًا للوقوف بجانبها عندما تحتاج إليه.
ابنِ مشروعًا يربح... ولكن ابنِ معه فريقًا يشعر أن له نصيبًا من هذا النجاح.
الاستمرارية هى أساس النجاح.
مصطفى المصرى
مؤسس | مستشار أعمال دولى | مستشار التوسع الاستراتيجى | رائد أعمال | مدرب ومرشد لرواد الأعمال
مؤلف 29 كتابًا