كيف يسير عالم المشروعات الصغيرة اليوم فى مصر؟ الخوف على رأس المال... أم الخوف من السوق؟
كيف يسير عالم المشروعات الصغيرة اليوم فى مصر؟
خلال الفترة السابقة، ومع احتكاكى بشكل أكبر بعالم المشروعات الصغيرة والتجار وأصحاب الأنشطة المختلفة فى مصر، بدأت ألاحظ مجموعة من السلوكيات المتكررة التى تستحق التوقف عندها.
ومن أكثر الأشياء التى لفتت انتباهى:
الخوف الشديد على رأس المال.
قد يبدو هذا الأمر طبيعيًا، بل وربما منطقيًا فى ظل الظروف الاقتصادية وضغوط السوق وارتفاع تكاليف التشغيل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحفاظ على رأس المال من وسيلة لحماية المشروع إلى سبب فى عدم نموه.
وهنا بدأت أسأل نفسى:
هل أصحاب المشروعات الصغيرة يخافون من الاستثمار لأن رأس المال لديهم محدود؟
أم أن المشكلة الحقيقية هى:
الخوف من عدم القدرة على البيع؟
أم أن المستهلك نفسه أصبح أكثر حذرًا فى الإنفاق، مما يجعل التاجر أو رائد الأعمال أكثر تحفظًا؟
وأعتقد أن الإجابة ليست سببًا واحدًا.
عندما يصبح رأس المال أهم من فرصة النمو
رائد الأعمال أو التاجر الصغير يعرف جيدًا قيمة كل جنيه موجود في مشروعه.
فهذا الجنيه قد يكون جزءًا من رأس المال الذى جمعه بصعوبة، أو أموالًا اقترضها، أو سيولة يحتاج إليها لتغطية المصروفات والالتزامات.
لذلك، عندما تعرض عليه منتجًا جديدًا لا يعرفه السوق، حتى لو كان:
• أفضل جودة.
• أفضل سعرًا.
• بهامش ربح جيد.
• وله فرصة حقيقية فى السوق.
فقد تكون إجابته:
"لا أريد أن أخاطر."
وهنا لا ألومه.
لأن المشكلة ليست دائمًا فى المنتج الجديد، وإنما فى مخاطرة رأس المال المرتبطة به.
فإذا اشترى كمية من منتج معروف، فهو يعرف تقريبًا كيف يتحرك هذا المنتج.
أما المنتج الجديد، فهو لا يعرف:
هل سيطلبه المستهلك؟
هل سيقبله؟
كم سيحتاج من الوقت حتى يتحرك؟
هل سيضطر إلى تخفيض سعره؟
هل سيظل رأس المال مجمدًا فيه لعدة أشهر؟
وهذه الأسئلة تجعل كثيرًا من أصحاب المشروعات يفضلون المعلوم حتى لو كان ربحه أقل على المجهول حتى لو كانت فرصته أكبر.
ولكن... هل المشكلة فعلًا قلة رأس المال؟
أعتقد أن الإجابة: نعم، ولكن ليس دائمًا.
قلة رأس المال بالتأكيد مشكلة حقيقية أمام المشروعات الصغيرة.
لكن خلال احتكاكى بالسوق، وجدت أن هناك حالات لا تكون فيها المشكلة الأساسية هى حجم رأس المال، وإنما طريقة التعامل معه.
فصاحب المشروع الذى يمتلك رأس مال محدودًا لا يستطيع أن يتعامل معه وكأنه رأس مال كبير.
ولكن فى الوقت نفسه، لا يمكن أن يضع كل رأس ماله فى المنتجات التى يعرفها فقط، ثم ينتظر نمو المشروع.
هنا نحتاج إلى مفهوم مختلف:
إدارة المخاطرة بدلًا من الهروب منها.
ليس المطلوب أن تخاطر بكل رأس مالك
هناك فرق كبير بين:
المخاطرة
و
المغامرة.
المغامرة أن تشترى كمية كبيرة من منتج جديد لأنك مقتنع بأنه سيحقق نجاحًا، دون اختبار حقيقى للسوق.
أما المخاطرة المحسوبة فهى أن تقول:
"سأجرب المنتج، ولكن بكمية صغيرة، وأراقب النتائج قبل أن أوسع الاستثمار."
وهذا فى رأيى أحد أهم الأساليب التى يمكن أن تساعد المشروعات الصغيرة اليوم.
إذا كان المنتج جديدًا على المستهلك، فلماذا لا تبدأ بكمية محدودة؟
اختبره.
اعرضه.
استمع إلى العملاء.
راقب معدل البيع.
اعرف اعتراضات المستهلكين.
ثم قرر:
هل أزيد الكمية أم أتوقف؟
بهذه الطريقة لا تجعل تجربة المنتج الجديد تهدد رأس مال المشروع بالكامل.
المشكلة الأخرى: صعوبة البيع
وهنا نصل إلى الجزء الأهم.
قد يكون المنتج ممتازًا فعلًا، وسعره جيدًا، وجودته أعلى من المنتجات المنافسة، ومع ذلك لا يتحرك.
لماذا؟
لأن جودة المنتج ليست وحدها سبب الشراء.
المستهلك قد يكون معتادًا على اسم معين.
وقد يثق فى علامة تجارية يعرفها منذ سنوات.
وقد يخاف من تجربة منتج جديد.
وقد يقول:
"لماذا أغير شيئًا أعرفه؟"
وهذا يعنى أن التاجر نفسه يواجه مشكلة أخرى:
كيف أقنع المستهلك بتجربة المنتج؟
وهنا تتحول المشكلة من مشكلة شراء إلى مشكلة تسويق وبيع وبناء ثقة.
المستهلك اليوم أكثر حذرًا
لا يمكن أيضًا أن نتجاهل تغير سلوك المستهلك.
عندما تكون القدرة الشرائية تحت ضغط، يصبح المستهلك أكثر حذرًا فى قراراته.
وقد لا يكون مستعدًا لتجربة منتج جديد بسهولة، خصوصًا إذا كان المنتج مرتبطًا باحتياج متكرر وله بديل معروف.
وهنا قد يقول رائد الأعمال:
"إذا كان المستهلك نفسه لا يريد التجربة، فلماذا أضع أموالى فى هذا المنتج؟"
وهذا سؤال منطقى.
لكن المشكلة أن هذا التفكير إذا أصبح قاعدة ثابتة، فقد يؤدى إلى نتيجة خطيرة:
لا أحد يريد تجربة المنتج الجديد، وبالتالى لا يحصل المنتج الجديد على فرصة حقيقية لدخول السوق.
وهنا ندخل في دائرة مغلقة:
التاجر يخاف من الشراء ← لا يعرض المنتج ← المستهلك لا يراه ← لا يطلبه ← التاجر يعتقد أن المنتج لا يصلح للسوق.
بينما الحقيقة قد تكون أن المنتج لم يحصل أصلًا على فرصة عادلة.
هل المشكلة فى قلة الطلب؟
فى بعض القطاعات، بالتأكيد هناك مشكلة فى الطلب.
لكن يجب أن نكون حذرين جدًا قبل أن نقول:
"السوق لا يطلب."
لأن عدم البيع لا يعنى دائمًا عدم وجود طلب.
قد يكون السبب:
• المنتج غير معروف.
• طريقة العرض غير مناسبة.
• السعر لم يتم شرحه مقارنة بالقيمة.
• لا توجد ثقة كافية فى العلامة التجارية.
• المنتج موجود فى المكان الخطأ.
• البائع لا يعرف كيف يقدمه.
• المستهلك لم يحصل على فرصة لتجربته.
• أو ببساطة المنتج لا يلبى احتياجًا حقيقيًا.
لذلك، قبل أن نحكم على السوق، يجب أن نعرف:
هل اختبرنا السوق فعلًا؟ أم أننا افترضنا النتيجة؟
التاجر يحتاج إلى أن يصبح أكثر من مجرد مشترى وبائع
أعتقد أن التاجر أو رائد الأعمال فى المرحلة القادمة لن يكون دوره مجرد:
أشترى بسعر منخفض ← أبيع بسعر أعلى.
المنافسة أصبحت أكثر تعقيدًا.
يجب أن يعرف:
كيف يختار المنتج؟
كيف يختبره؟
كيف يقدمه؟
كيف يبنى ثقة المستهلك فيه؟
كيف يقيس سرعة دورانه؟
وكيف يعرف متى يزيد الاستثمار ومتى يتوقف؟
وهنا تظهر أهمية البيانات والمعلومات.
بدلًا من أن يكون القرار:
"أنا أشعر أن المنتج سينجح."
يصبح:
"جربت كمية محدودة، وبعت منها نسبة معينة خلال فترة محددة، وكانت ردود فعل العملاء كذا، وبالتالى سأزيد الكمية أو أوقف التجربة."
هذا هو الفرق بين القرار العاطفى والقرار المبنى على اختبار.
رأس المال يجب أن يعمل... ولكن بحساب
رأس المال الذى لا يتحرك لا يحقق نموًا.
وفى الوقت نفسه، رأس المال الذى يتحرك بدون دراسة يمكن أن يضيع.
لذلك لا أعتقد أن الحل هو أن نقول لرائد الأعمال:
"خاطر أكثر."
كما لا أعتقد أن الحل هو أن نقول له:
"لا تخاطر إطلاقًا."
الحل هو:
اختبر المخاطرة قبل أن تستثمر فيها بشكل كبير.
ابدأ صغيرًا.
تعلم بسرعة.
قِس النتائج.
استمع إلى العملاء.
استمع إلى التجار الآخرين.
ولا تجعل رأيك الشخصى هو المصدر الوحيد للقرار.
لا تجعل الخوف يحمى رأس المال ويقتل المشروع
أحيانًا يكون الخوف مفيدًا.
فالخوف من خسارة رأس المال يجعل صاحب المشروع أكثر حرصًا، وهذا أمر جيد.
لكن عندما يتحول الخوف إلى رفض دائم لكل جديد، فإنه قد يتحول من وسيلة للحماية إلى عائق أمام النمو.
قد ترفض منتجًا جديدًا لأن اسمه غير معروف.
وقد ترفض سوقًا جديدة لأنك لم تجربها من قبل.
وقد ترفض طريقة بيع جديدة لأنك معتاد على الطريقة القديمة.
وفى النهاية، قد تكتشف أن المنافس الذى كان أكثر جرأة منك لم يكن يمتلك رأس مال أكبر منك...
لكنه كان أكثر قدرة على اختبار الفرص وإدارة المخاطر.
ماذا أرى من خلال احتكاكى بالسوق؟
من وجهة نظرى، المشروعات الصغيرة فى مصر لا تواجه مشكلة واحدة فقط.
هناك مجموعة من العوامل تتداخل معًا:
رأس مال محدود + مستهلك أكثر حذرًا + صعوبة فى البيع + منافسة قوية + خوف من المخاطرة + ضعف فى اختبار المنتجات الجديدة.
لكننى أعتقد أن واحدة من أهم المشكلات التى يجب أن نبدأ فى التعامل معها هى:
الخوف من تجربة الجديد.
ليس المطلوب أن يضع رائد الأعمال كل أمواله فى منتج جديد.
وليس المطلوب أن يغامر بمشروعه.
المطلوب فقط أن يمنح الفرصة الجديدة اختبارًا عادلًا بحجم مخاطرة يمكنه تحمله.
فقد يكون المنتج الجديد هو الذى يفتح له سوقًا جديدة.
وقد يكون المنتج الذى يخاف من شرائه اليوم هو الذى يصبح أحد أهم مصادر أرباحه غدًا.
اجعل مخاطرتك بنسبة لا تذيد عن 10% من رئس المال.
وأنت... كيف ترى السوق؟
من خلال تجربتى الحالية مع المشروعات الصغيرة، أرى أن السؤال الحقيقى ليس فقط:
"هل لدينا رأس مال كافٍ؟"
ولكن أيضًا:
"هل نعرف كيف ندير رأس المال المتاح؟"
و:
"هل نعرف كيف نختبر الفرص الجديدة دون أن نعرض المشروع للخطر؟"
و:
"هل المشكلة فعلًا فى ضعف الطلب، أم أننا لم نتعلم بعد كيف نخلق الطلب ونبنى الثقة حول المنتج الجديد؟"
هذه أسئلة أعتقد أننا بحاجة إلى مناقشتها بجدية، لأن مستقبل المشروعات الصغيرة لا يعتمد فقط على حجم رأس المال، وإنما على القدرة على اتخاذ قرارات ذكية، واختبار الفرص، وإدارة المخاطر، والتكيف مع تغير سلوك المستهلك.
لا تخف من الاستثمار... ولكن لا تستثمر دون أن تختبر.
الاستمرارية هى أساس النجاح.
مصطفى المصرى
مؤسس | مستشار أعمال دولى | مستشار التوسع الاستراتيجى | رائد أعمال | مدرب ومرشد لرواد الأعمال
مؤلف 29 كتابًا
خلال الفترة السابقة، ومع احتكاكى بشكل أكبر بعالم المشروعات الصغيرة والتجار وأصحاب الأنشطة المختلفة فى مصر، بدأت ألاحظ مجموعة من السلوكيات المتكررة التى تستحق التوقف عندها.
ومن أكثر الأشياء التى لفتت انتباهى:
الخوف الشديد على رأس المال.
قد يبدو هذا الأمر طبيعيًا، بل وربما منطقيًا فى ظل الظروف الاقتصادية وضغوط السوق وارتفاع تكاليف التشغيل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحفاظ على رأس المال من وسيلة لحماية المشروع إلى سبب فى عدم نموه.
وهنا بدأت أسأل نفسى:
هل أصحاب المشروعات الصغيرة يخافون من الاستثمار لأن رأس المال لديهم محدود؟
أم أن المشكلة الحقيقية هى:
الخوف من عدم القدرة على البيع؟
أم أن المستهلك نفسه أصبح أكثر حذرًا فى الإنفاق، مما يجعل التاجر أو رائد الأعمال أكثر تحفظًا؟
وأعتقد أن الإجابة ليست سببًا واحدًا.
عندما يصبح رأس المال أهم من فرصة النمو
رائد الأعمال أو التاجر الصغير يعرف جيدًا قيمة كل جنيه موجود في مشروعه.
فهذا الجنيه قد يكون جزءًا من رأس المال الذى جمعه بصعوبة، أو أموالًا اقترضها، أو سيولة يحتاج إليها لتغطية المصروفات والالتزامات.
لذلك، عندما تعرض عليه منتجًا جديدًا لا يعرفه السوق، حتى لو كان:
• أفضل جودة.
• أفضل سعرًا.
• بهامش ربح جيد.
• وله فرصة حقيقية فى السوق.
فقد تكون إجابته:
"لا أريد أن أخاطر."
وهنا لا ألومه.
لأن المشكلة ليست دائمًا فى المنتج الجديد، وإنما فى مخاطرة رأس المال المرتبطة به.
فإذا اشترى كمية من منتج معروف، فهو يعرف تقريبًا كيف يتحرك هذا المنتج.
أما المنتج الجديد، فهو لا يعرف:
هل سيطلبه المستهلك؟
هل سيقبله؟
كم سيحتاج من الوقت حتى يتحرك؟
هل سيضطر إلى تخفيض سعره؟
هل سيظل رأس المال مجمدًا فيه لعدة أشهر؟
وهذه الأسئلة تجعل كثيرًا من أصحاب المشروعات يفضلون المعلوم حتى لو كان ربحه أقل على المجهول حتى لو كانت فرصته أكبر.
ولكن... هل المشكلة فعلًا قلة رأس المال؟
أعتقد أن الإجابة: نعم، ولكن ليس دائمًا.
قلة رأس المال بالتأكيد مشكلة حقيقية أمام المشروعات الصغيرة.
لكن خلال احتكاكى بالسوق، وجدت أن هناك حالات لا تكون فيها المشكلة الأساسية هى حجم رأس المال، وإنما طريقة التعامل معه.
فصاحب المشروع الذى يمتلك رأس مال محدودًا لا يستطيع أن يتعامل معه وكأنه رأس مال كبير.
ولكن فى الوقت نفسه، لا يمكن أن يضع كل رأس ماله فى المنتجات التى يعرفها فقط، ثم ينتظر نمو المشروع.
هنا نحتاج إلى مفهوم مختلف:
إدارة المخاطرة بدلًا من الهروب منها.
ليس المطلوب أن تخاطر بكل رأس مالك
هناك فرق كبير بين:
المخاطرة
و
المغامرة.
المغامرة أن تشترى كمية كبيرة من منتج جديد لأنك مقتنع بأنه سيحقق نجاحًا، دون اختبار حقيقى للسوق.
أما المخاطرة المحسوبة فهى أن تقول:
"سأجرب المنتج، ولكن بكمية صغيرة، وأراقب النتائج قبل أن أوسع الاستثمار."
وهذا فى رأيى أحد أهم الأساليب التى يمكن أن تساعد المشروعات الصغيرة اليوم.
إذا كان المنتج جديدًا على المستهلك، فلماذا لا تبدأ بكمية محدودة؟
اختبره.
اعرضه.
استمع إلى العملاء.
راقب معدل البيع.
اعرف اعتراضات المستهلكين.
ثم قرر:
هل أزيد الكمية أم أتوقف؟
بهذه الطريقة لا تجعل تجربة المنتج الجديد تهدد رأس مال المشروع بالكامل.
المشكلة الأخرى: صعوبة البيع
وهنا نصل إلى الجزء الأهم.
قد يكون المنتج ممتازًا فعلًا، وسعره جيدًا، وجودته أعلى من المنتجات المنافسة، ومع ذلك لا يتحرك.
لماذا؟
لأن جودة المنتج ليست وحدها سبب الشراء.
المستهلك قد يكون معتادًا على اسم معين.
وقد يثق فى علامة تجارية يعرفها منذ سنوات.
وقد يخاف من تجربة منتج جديد.
وقد يقول:
"لماذا أغير شيئًا أعرفه؟"
وهذا يعنى أن التاجر نفسه يواجه مشكلة أخرى:
كيف أقنع المستهلك بتجربة المنتج؟
وهنا تتحول المشكلة من مشكلة شراء إلى مشكلة تسويق وبيع وبناء ثقة.
المستهلك اليوم أكثر حذرًا
لا يمكن أيضًا أن نتجاهل تغير سلوك المستهلك.
عندما تكون القدرة الشرائية تحت ضغط، يصبح المستهلك أكثر حذرًا فى قراراته.
وقد لا يكون مستعدًا لتجربة منتج جديد بسهولة، خصوصًا إذا كان المنتج مرتبطًا باحتياج متكرر وله بديل معروف.
وهنا قد يقول رائد الأعمال:
"إذا كان المستهلك نفسه لا يريد التجربة، فلماذا أضع أموالى فى هذا المنتج؟"
وهذا سؤال منطقى.
لكن المشكلة أن هذا التفكير إذا أصبح قاعدة ثابتة، فقد يؤدى إلى نتيجة خطيرة:
لا أحد يريد تجربة المنتج الجديد، وبالتالى لا يحصل المنتج الجديد على فرصة حقيقية لدخول السوق.
وهنا ندخل في دائرة مغلقة:
التاجر يخاف من الشراء ← لا يعرض المنتج ← المستهلك لا يراه ← لا يطلبه ← التاجر يعتقد أن المنتج لا يصلح للسوق.
بينما الحقيقة قد تكون أن المنتج لم يحصل أصلًا على فرصة عادلة.
هل المشكلة فى قلة الطلب؟
فى بعض القطاعات، بالتأكيد هناك مشكلة فى الطلب.
لكن يجب أن نكون حذرين جدًا قبل أن نقول:
"السوق لا يطلب."
لأن عدم البيع لا يعنى دائمًا عدم وجود طلب.
قد يكون السبب:
• المنتج غير معروف.
• طريقة العرض غير مناسبة.
• السعر لم يتم شرحه مقارنة بالقيمة.
• لا توجد ثقة كافية فى العلامة التجارية.
• المنتج موجود فى المكان الخطأ.
• البائع لا يعرف كيف يقدمه.
• المستهلك لم يحصل على فرصة لتجربته.
• أو ببساطة المنتج لا يلبى احتياجًا حقيقيًا.
لذلك، قبل أن نحكم على السوق، يجب أن نعرف:
هل اختبرنا السوق فعلًا؟ أم أننا افترضنا النتيجة؟
التاجر يحتاج إلى أن يصبح أكثر من مجرد مشترى وبائع
أعتقد أن التاجر أو رائد الأعمال فى المرحلة القادمة لن يكون دوره مجرد:
أشترى بسعر منخفض ← أبيع بسعر أعلى.
المنافسة أصبحت أكثر تعقيدًا.
يجب أن يعرف:
كيف يختار المنتج؟
كيف يختبره؟
كيف يقدمه؟
كيف يبنى ثقة المستهلك فيه؟
كيف يقيس سرعة دورانه؟
وكيف يعرف متى يزيد الاستثمار ومتى يتوقف؟
وهنا تظهر أهمية البيانات والمعلومات.
بدلًا من أن يكون القرار:
"أنا أشعر أن المنتج سينجح."
يصبح:
"جربت كمية محدودة، وبعت منها نسبة معينة خلال فترة محددة، وكانت ردود فعل العملاء كذا، وبالتالى سأزيد الكمية أو أوقف التجربة."
هذا هو الفرق بين القرار العاطفى والقرار المبنى على اختبار.
رأس المال يجب أن يعمل... ولكن بحساب
رأس المال الذى لا يتحرك لا يحقق نموًا.
وفى الوقت نفسه، رأس المال الذى يتحرك بدون دراسة يمكن أن يضيع.
لذلك لا أعتقد أن الحل هو أن نقول لرائد الأعمال:
"خاطر أكثر."
كما لا أعتقد أن الحل هو أن نقول له:
"لا تخاطر إطلاقًا."
الحل هو:
اختبر المخاطرة قبل أن تستثمر فيها بشكل كبير.
ابدأ صغيرًا.
تعلم بسرعة.
قِس النتائج.
استمع إلى العملاء.
استمع إلى التجار الآخرين.
ولا تجعل رأيك الشخصى هو المصدر الوحيد للقرار.
لا تجعل الخوف يحمى رأس المال ويقتل المشروع
أحيانًا يكون الخوف مفيدًا.
فالخوف من خسارة رأس المال يجعل صاحب المشروع أكثر حرصًا، وهذا أمر جيد.
لكن عندما يتحول الخوف إلى رفض دائم لكل جديد، فإنه قد يتحول من وسيلة للحماية إلى عائق أمام النمو.
قد ترفض منتجًا جديدًا لأن اسمه غير معروف.
وقد ترفض سوقًا جديدة لأنك لم تجربها من قبل.
وقد ترفض طريقة بيع جديدة لأنك معتاد على الطريقة القديمة.
وفى النهاية، قد تكتشف أن المنافس الذى كان أكثر جرأة منك لم يكن يمتلك رأس مال أكبر منك...
لكنه كان أكثر قدرة على اختبار الفرص وإدارة المخاطر.
ماذا أرى من خلال احتكاكى بالسوق؟
من وجهة نظرى، المشروعات الصغيرة فى مصر لا تواجه مشكلة واحدة فقط.
هناك مجموعة من العوامل تتداخل معًا:
رأس مال محدود + مستهلك أكثر حذرًا + صعوبة فى البيع + منافسة قوية + خوف من المخاطرة + ضعف فى اختبار المنتجات الجديدة.
لكننى أعتقد أن واحدة من أهم المشكلات التى يجب أن نبدأ فى التعامل معها هى:
الخوف من تجربة الجديد.
ليس المطلوب أن يضع رائد الأعمال كل أمواله فى منتج جديد.
وليس المطلوب أن يغامر بمشروعه.
المطلوب فقط أن يمنح الفرصة الجديدة اختبارًا عادلًا بحجم مخاطرة يمكنه تحمله.
فقد يكون المنتج الجديد هو الذى يفتح له سوقًا جديدة.
وقد يكون المنتج الذى يخاف من شرائه اليوم هو الذى يصبح أحد أهم مصادر أرباحه غدًا.
اجعل مخاطرتك بنسبة لا تذيد عن 10% من رئس المال.
وأنت... كيف ترى السوق؟
من خلال تجربتى الحالية مع المشروعات الصغيرة، أرى أن السؤال الحقيقى ليس فقط:
"هل لدينا رأس مال كافٍ؟"
ولكن أيضًا:
"هل نعرف كيف ندير رأس المال المتاح؟"
و:
"هل نعرف كيف نختبر الفرص الجديدة دون أن نعرض المشروع للخطر؟"
و:
"هل المشكلة فعلًا فى ضعف الطلب، أم أننا لم نتعلم بعد كيف نخلق الطلب ونبنى الثقة حول المنتج الجديد؟"
هذه أسئلة أعتقد أننا بحاجة إلى مناقشتها بجدية، لأن مستقبل المشروعات الصغيرة لا يعتمد فقط على حجم رأس المال، وإنما على القدرة على اتخاذ قرارات ذكية، واختبار الفرص، وإدارة المخاطر، والتكيف مع تغير سلوك المستهلك.
لا تخف من الاستثمار... ولكن لا تستثمر دون أن تختبر.
الاستمرارية هى أساس النجاح.
مصطفى المصرى
مؤسس | مستشار أعمال دولى | مستشار التوسع الاستراتيجى | رائد أعمال | مدرب ومرشد لرواد الأعمال
مؤلف 29 كتابًا
0 Comments
No comments yet. Be the first to comment!
Leave a Comment